مارجان ساترابي... حين يصبح الفن ذاكرةً في مواجهة النسيان بقلم: عائشة بوزرار


 

في كل مرحلة تاريخية مضطربة تظهر أصوات قادرة على تحويل التجربة الفردية إلى قضية إنسانية عامة. ومن بين هذه الأصوات تبرز الكاتبة والرسامة الفرنسية-الإيرانية Marjane Satrapi التي لم تجعل من الفن مجرد مساحة للتعبير الجمالي، بل حولته إلى أداة لفهم السلطة والمنفى والهوية والحرية. ويصعب الحديث عن ساترابي دون التوقف عند عملها الأشهر Persepolis، الذي لم يكن مجرد سيرة ذاتية مصورة لفتاة تكبر في إيران ما بعد الثورة، وإنما هو شهادة ثقافية على التحولات العنيفة التي عاشها المجتمع الإيراني خلال العقود الأخيرة، فالكتاب، الذي حقق انتشارا عالميا واسعا، نجح في كسر الصورة النمطية التي كثيرا ما اختُزل بها الإيرانيون في الإعلام الغربي، مقدما وجها أكثر تعقيدا وإنسانية لمجتمع يعيش تناقضاته اليومية بين القيود والرغبة في الانعتاق.

 

ما يلفت الانتباه في تجربة ساترابي أنها آثرت الاقتراب من التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، ومن خلال هذه التفاصيل تحديدا استطاعت أن تطرح أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والانتماء والذاكرة، فالفن بالنسبة إليها ليس منصة للشعارات،  ولكنه مساحة لطرح الأسئلة المقلقة التي لا تملك إجابات جاهزة.هذا التصور للفن يفسر انتقالها السلس من الرواية المصورة إلى السينما، ففي أعمالها المختلفة، سواء في Embroideries أو Chicken with Plums أو Radioactive، ظلت وفية لفكرة أساسية مفادها أن القصص الشخصية قادرة على كشف التحولات الكبرى التي تعصف بالمجتمعات.. إنها لا تروي حياة أفراد فحسب، وإنما تستخدم مصائرهم لفهم زمن كامل.

 

تأسيسا على ما سبق، يمكن فهم الحضور السياسي الذي لازم مسيرتها، فساترابي تنتمي إلى جيل عاش تجربة المنفى بكل تعقيداتها، جيل وجد نفسه معلقا بين وطن لا يستطيع العودة إليه بحرية، وعالم جديد يطالبه بإعادة تعريف نفسه. لذلك لم يكن غريبا أن تتحول إلى إحدى أبرز الأصوات المدافعة عن الحريات الفردية وحقوق النساء، وأن تنخرط ثقافيا في دعم احتجاجات "امرأة، حياة، حرية" التي اندلعت عقب وفاة Mahsa Amini .لكن ما يميز خطابها أنها لا تبالغ في تقدير قدرة الفن على إحداث التغيير المباشر، فهي تدرك أن الأنظمة السياسية لا تسقط بكتاب أو فيلم، وأن الواقع أكثر تعقيدا من أن يُختزل في عمل فني، ومع ذلك، تؤمن بأن الثقافة تملك قدرة أخرى أكثر عمقا.. تغيير طريقة النظر إلى العالم، فحين يتغير الوعي، ويصبح التغيير السياسي والاجتماعي ممكنا على المدى البعيد.

 

وفي هذا السياق، بدا رفضها وسام الشرف سنة 2025 امتدادا طبيعيا لمسارها الفكري، فالقرار تعبير عن رفضها الفصل بين المبادئ والممارسة السياسية، وعن تمسكها باستقلالية المثقف حتى في مواجهة المؤسسات التي تمنحه الاعتراف والتقدير.

 

تكمن أهمية مارجان ساترابي اليوم في أنها تمثل نموذجا للمبدع الذي نجح في تحويل تجربة المنفى إلى مشروع فكري وفني متكامل، فمن خلال الرسم والكتابة والسينما، أعادت طرح أسئلة الحرية والهوية والانتماء بلغة يفهمها جمهور عالمي واسع، ولهذا لا يُقاس تأثيرها بعدد الكتب التي باعتها أو الجوائز التي حصلت عليها، وإنما بقدرتها على جعل ملايين القراء والمشاهدين يعيدون التفكير في العلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الذاكرة والتاريخ. وبين طهران التي شكلت جراحها الأولى، وباريس التي احتضنت مسيرتها، بنت ساترابي جسرا ثقافيا نادرا بين الشرق والغرب. جسر يقوم على التوفيق الصعب بين عالمين مختلفين وعلى مساءلتهما معا، وإظهار أن البحث عن الحرية يظل قضية إنسانية تتجاوز الحدود واللغات والأوطان.

Comentarios