🔴أسئلة الحوار الحصري مع الدكتور محمد بشاري، الأمين العام لمجلس المجتمعات المسلمة، بالإمارات العربية المتحدة بقلم زكرياء بلحرش
*1.* "الحكمة" كقيمة مشتركة بين
القيادتين أنتجت نموذجين في إدارة التعدد الديني والثقافي، كيف يمكن لمركز
الدراسات والبحوث الاستراتيجية بالإمارات والمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية
بالمغرب أن يؤسسا لـ"مرصد مشترك للحكمة" يرصد ويستبق أزمات التطرف والتشدد
العنيف ويقدم بدائل فقهية وتنموية للمجتمعات المسلمة عالميا؟
*2.* إن الشراكة المغربية الإماراتية تتجاوز
النفط والغاز إلى "تصدير الأمن المعرفي"، في نظركم دكتور، ما هي الآليات
المؤسسية التي تقترحها لترجمة هذا التعاون في الشأن الديني والثقافي إلى برامج
تدريب أئمة وتأهيل قيادات دينية بإفريقيا وآسيا، تحميها من الاختراق وتجعلها رافعة
للتنمية المستدامة؟
*3.* إن مضامين الكتاب تربط بين الحكمة
والبناء المؤسساتي، من موقعكم كأمين عام لمجلس المجتمعات المسلمة، كيف يمكن توظيف
هذا الإرث المشترك لصياغة "دبلوماسية دينية ذكية" تستلهم مرجعيتها
الروحية من مبادئ مؤسسة إمارة المؤمنين لتخدم الأمن القومي للبلدين، وتفتح أسواقا
جديدة للتعاون التكنولوجي والاقتصادي عبر بوابة الثقة الثقافية؟
*4.* أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد
السادس وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قدما نموذجا في التوفيق بين الأصالة
والحداثة، كيف يمكن لهذه الشراكة الفكرية أن تنتج "وثيقة الحكمة" كإطار
مرجعي للتعاون المغربي الإماراتي في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بحيث لا
تتحول التكنولوجيا إلى تهديد للقيم بل أداة لترسيخها؟
1.
حين
نتأمل في مفهوم “الحكمة” كما تجلّى في التجربتين المغربية والإماراتية، فإننا لا
نتحدث عن قيمة أخلاقية مجردة، بل عن بنية عميقة في التفكير السياسي والثقافي
تُعبّر عن وحدة في النظر إلى الإنسان والدولة والمجتمع. هذه الوحدة في الرؤية هي
التي جعلت البلدين قادرين على إدارة التعدد الديني والثقافي بمنطق الاستيعاب لا
الصدام، وبمنهج الإدماج لا الإقصاء. ومن هنا، فإن أي تعاون بين مركز الإمارات
للدراسات والبحوث الاستراتيجية والمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية لا ينبغي أن
يُفهم في إطار التنسيق البحثي التقليدي، بل باعتباره امتدادًا طبيعياً لهذا
التقارب العميق في الرؤية.
إن
ما يجمع المؤسستين ليس فقط الاشتغال على القضايا الاستراتيجية، بل تقاطع المنهج في
قراءة التحولات: الجمع بين البعد الأمني والمعرفي، بين التحليل الواقعي واستحضار
القيم، بين استشراف المستقبل وترسيخ الاستقرار. ولذلك يمكن أن تتجسد هذه الشراكة
في مشاريع بحثية مشتركة تُعالج قضايا التطرف والتحولات الدينية في العالم الإسلامي
من زاوية مركبة، لا تختزل الظاهرة في بعدها الأمني، ولا تفصلها عن سياقاتها
الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن أن يُترجم هذا المسار عبر إصدار كتب جماعية تُعبّر
عن صوت علمي مشترك، وتنظيم ندوات علمية تجمع الباحثين من البلدين، وإطلاق حلقات
تفكير مغلقة تُعنى بتحليل الاتجاهات الفكرية الجديدة.
إن
القيمة المضافة لهذا التعاون لا تكمن في إنتاج المعرفة فحسب، بل في بناء خطاب علمي
يعكس وحدة الرؤية، ويُقدّم بدائل فكرية وتنموية للمجتمعات التي تعاني من الهشاشة.
فالتطرف ليس فقط انحرافًا في الفهم، بل هو نتيجة فراغ معرفي واختلال في التوازن
المجتمعي. ومن هنا، تصبح الحكمة أداة لإعادة بناء هذا التوازن، عبر إنتاج معرفة
قادرة على توجيه السياسات العامة، وتعزيز مناعة المجتمعات. إننا أمام فرصة لتأسيس
مسار معرفي مشترك يجعل من البحث العلمي رافعة للاستقرار، ومن التعاون الأكاديمي
امتدادًا لشراكة استراتيجية تتجاوز المصالح إلى وحدة في التصور والمآل.
2.
إن
الشراكة المغربية الإماراتية في المجال الديني والثقافي لا يمكن اختزالها في برامج
تدريبية أو مبادرات تقنية، لأنها في جوهرها تعبير عن وحدة في الفهم لدور الدين في
المجتمع. فالدين، في التجربتين، ليس مجالًا للصراع أو الاستقطاب، بل هو عنصر توازن
واستقرار، ومكوّن أساسي في بناء الإنسان وتنمية المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن أي
تعاون في مجال تأهيل الأئمة أو تكوين القيادات الدينية ينبغي أن يُبنى على هذه
الرؤية المشتركة، لا أن يُختزل في نقل خبرات أو نماذج جاهزة.
تجربة
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات تمثل نموذجًا متقدمًا في الجمع
بين التأصيل الشرعي والانفتاح على الواقع، بينما قدمت الإمارات مبادرات رائدة في
ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش، مما يجعل التقاطع بين التجربتين أرضية خصبة لبناء
برامج تكوين مشتركة. غير أن الأهم ليس في إنشاء هذه البرامج، بل في صياغة فلسفة
تكوينية جديدة تُخرج الإمام من الدور التقليدي إلى دور “الفاعل المجتمعي”، القادر
على فهم تحديات الشباب، والتفاعل مع التحولات الرقمية، والمساهمة في معالجة
القضايا الاجتماعية.
يمكن
ترجمة هذه الرؤية عبر إطلاق دورات تدريبية مشتركة، وتبادل الأساتذة والخبراء،
وتطوير منصات تعليمية رقمية تستهدف إفريقيا وآسيا، بما يعكس حضورًا معرفيًا
متوازنًا، ويمنح النموذج المغربي الإماراتي قابلية الانتشار. كما يمكن التفكير في
برامج بحثية مرافقة لهذه المبادرات، تُقيّم أثر التكوين، وتدرس تحولات الخطاب
الديني في البيئات المختلفة.
إن
“الأمن المعرفي” هنا لا يُفهم كإجراء دفاعي فقط، بل كمسار بنائي يهدف إلى تعزيز
قدرة المجتمعات على إنتاج فهم ديني متوازن، يحصّنها من الاختراق، ويجعلها فاعلة في
محيطها. وهذا لا يتحقق إلا عبر شراكة قائمة على وحدة الرؤية، حيث يصبح التعاون في
المجال الديني امتدادًا لتقارب استراتيجي أعمق، يُدرك أن استقرار المجتمعات يبدأ
من استقرار مرجعياتها، وأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي للتنمية المستدامة.
3.
الدبلوماسية
الدينية في السياق المغربي الإماراتي تتجاوز كونها أداة من أدوات القوة الناعمة،
لتصبح تعبيرًا عن وحدة في المرجعية والرؤية. فالمغرب، من خلال مؤسسة إمارة
المؤمنين، رسّخ نموذجًا في صيانة الأمن الروحي، والإمارات أسست نموذجًا عالميًا في
إدارة التعدد والتسامح. وحين يلتقي هذان النموذجان، فإننا أمام دبلوماسية لا تقوم
على التوظيف الظرفي للدين، بل على استثماره كقوة لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار.
هذه
الدبلوماسية يمكن أن تتحول إلى رافعة استراتيجية تخدم الأمن القومي للبلدين، ليس
فقط عبر تحصين المجتمعات من التطرف، بل عبر بناء شبكة من العلاقات الدولية تقوم
على الثقة الثقافية. فالدول لا تتعاون فقط بناءً على المصالح الاقتصادية، بل على
أساس القيم المشتركة والاطمئنان إلى استقرار الشريك. ومن هنا، يمكن للدبلوماسية
الدينية المغربية الإماراتية أن تفتح آفاقًا جديدة للتعاون في إفريقيا وآسيا، حيث
الحاجة ماسة إلى نماذج متوازنة تجمع بين الأصالة والانفتاح.
يمكن
ترجمة ذلك عمليًا عبر تنظيم مؤتمرات دولية مشتركة حول التعايش الديني، وإصدار
دراسات استراتيجية تُعالج دور الدين في الاستقرار العالمي، وبناء شراكات أكاديمية
مع جامعات ومراكز بحثية في مختلف مناطق العالم. كما يمكن أن تمتد هذه الجهود إلى
مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا، حيث تصبح الثقة الثقافية عنصرًا حاسمًا في فتح
الأسواق وتعزيز الشراكات.
إن
العلاقة المغربية الإماراتية، في هذا السياق، تُقدّم نموذجًا لشراكة تقوم على وحدة
الرؤية، حيث تُدار المصالح في إطار تصور مشترك للمستقبل، وتُبنى السياسات على أساس
من الثقة والاستقرار. وهذه الوحدة هي التي تمنح الدبلوماسية الدينية عمقها،
وتجعلها قادرة على تجاوز الخطاب إلى الفعل، وعلى تحويل القيم إلى قوة استراتيجية
تُعيد تشكيل العلاقات الدولية.
4.
إن
النموذج الذي يقدمه الملك محمد السادس ومحمد بن زايد آل نهيان يقوم على معادلة
دقيقة بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العصر، وهي معادلة تعكس وحدة في الرؤية
تتجاوز حدود السياسة إلى الفلسفة الحضارية. هذه الرؤية المشتركة تُشكّل اليوم
أساسًا متينًا للتعاون في مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني،
حيث لم يعد التحدي تقنيًا فقط، بل قيميًا أيضًا.
فالتكنولوجيا،
مهما بلغت من تطور، تظل أداة تحتاج إلى توجيه، وهذا التوجيه لا يمكن أن يكون
فعالًا إلا إذا استند إلى منظومة قيمية واضحة. ومن هنا، يمكن للمراكز البحثية
والجامعات في البلدين أن تطلق مبادرات علمية تستكشف العلاقة بين التكنولوجيا
والقيم، عبر مؤتمرات متخصصة، وأوراق سياسات، ومشاريع بحثية متعددة التخصصات تجمع
بين خبراء التقنية وعلماء الاجتماع والفقهاء.
كما
يمكن تطوير برامج مشتركة تُعنى بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحوكمة البيانات،
وحماية المجتمعات من مخاطر الاستخدام السلبي للتكنولوجيا. وهذا المسار لا يُعبر
فقط عن تعاون تقني، بل عن وحدة في الرؤية تجعل من التكنولوجيا وسيلة لخدمة
الإنسان، لا أداة لإضعافه أو تفكيك منظومته القيمية.
إن
العلاقة المغربية الإماراتية، في هذا المجال، تقدم نموذجًا متقدمًا لشراكة تُدار
برؤية موحدة، حيث تُدمج القيم في السياسات، ويُستثمر في الإنسان باعتباره محور
التنمية. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بما نمتلكه من أدوات، بل بما نحمله من رؤية
توجه هذه الأدوات. ومن هنا، فإن وحدة الرؤية بين البلدين ليست مجرد عنصر داعم
للتعاون، بل هي الأساس الذي يمنحه عمقه واستمراريته، ويجعله قادرًا على مواجهة
تحديات المستقبل بثقة واتزان.

Comentarios
Publicar un comentario