الفن التشكيلي النسائي: من بصمة الجمال إلى رهانات التمكين الثقافي بقلم د. عبد الإلـه بلحاج

 



في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة الذي يوافق 08 مارس من كل سنة، برز معرض "بصمة أنثى لا تُنسى" كتجربة تشكيلية متفردة، الذي نظمته رابطة المبدعين العرب -فرع المضيق بشراكة مع نادي تطوان الثقافي يوم الجمعة 27 مارس 2026، لتتحول قاعة الدكتور عبد الكريم علوش إلى فضاء بصري نابض بالدلالات الجمالية والتعبيرية.

لقد كشف هذا المعرض عن غنى التجربة التشكيلية النسائية وتعدد مرجعياتها، من هنا يبرز الإشكال النقدي المتمثل في كيفية تحويل هذه المبادرات من لحظة احتفالية عابرة إلى بنية ثقافية مستدامة تضمن استمرارية الإبداع النسائي، وفيما إذا كانت هذه التجارب قد استطاعت أن تؤسس خطابًا بصريًا مستقلًا يعكس خصوصية الذات الأنثوية، أم أنها لا تزال تتكئ على مرجعيات جاهزة. تفتح مثل هذه التساؤلات أفق التفكير في طبيعة الفعل التشكيلي النسائي وحدود تموقعه داخل المشهد الثقافي العام.

يأتي هذا المعرض ضمن الأجندة السنوية للرابطة التي تروم تعزيز التنمية الثقافية ودعم المواهب عبر شراكات مؤسساتية، وصولاً إلى محطتها الكبرى 'ملتقى المضيق الدولي للفن والموروث الثقافي'. افتتح هذا المحفل الفني بكلمات ترحيبية من السيد أحمد الشاط رئيس النادي، تلتها كلمة السيدة حبيبة الأشهب رئيسة الرابطة التي تناولت فيها رهانات احتضان الإبداع النسائي، ليُعلن الرئيسان عن انطلاق المكاشفة البصرية، مدشّنيْنِ جولةً استكشافية بين ثنايا الأنساق التعبيرية لنخبة من الفنانات وهن (حبيبة الأشهب، نبيلة بيادي، سامية يخلف، ملاك الكحاك، فاطمة الزهراء الرهوني، وإحسان لمريني)، حيث تحول الرواق إلى فضاءٍ مفتوح للقراءة النقدية، تتقاطع فيه الرؤى والمقاربات الفنية للمبدعات المشاركات. كما حظي المعرض ببعدٍ نقدي رصين تمثل في حضور قامات عالمية كـ أحمد بنيسف، وسعيد ريان، ومحمد الشويخ بنسفاج، مما خلق حواراً بين الأجيال ساهم في إنضاج التجارب النسائية المشاركة عبر توجيهات تقنية وجمالية وازنة.

لقد تميزت الأعمال المعروضة بتعدد المقاربات الفنية، حيث حضرت الواقعية التي تراهن على تمثيل العالم المرئي بدقة، إلى جانب الانطباعية التي تلتقط الأثر اللحظي للضوء، والتجريدية التي تنفلت من الشكل نحو الجوهر، وهو ما جعل المعرض أقرب إلى عرس جماعي من التشكيل، تتجاور فيه التجارب وتتفاعل داخل فضاء واحد.

ومن خلال قراءة الأعمال المعروضة، يُلاحظ أن أغلب الفنانات المشاركات اشتغلن على البنية اللونية باعتبارها مركز الثقل في التشكيل، حيث تحوّل اللون من عنصر تزييني إلى أداة دلالية تنقل الانفعالات وتبني المعنى. كما كان اللون الأزرق، في بعض التجارب، بمثابة حقل تأويلي مفتوح، يُستدعى كرمز للعمق والصفاء واللاوعي، مما يعكس وعيًا تقنيًا بوظيفة اللون في بناء الخطاب البصري.

وفي منحىً آخر، تجسدت بعض الأعمال بوصفها 'انفلاتاً فنيا' نحو الإبداع؛ حيث تتحول اللوحة من مجرد سطحٍ فيزيائي إلى فضاءٍ أنطولوجي للتحرر من إكراهات الواقع. ويتجلى هذا 'الوعي بالممارسة' في بوح المبدعة حبيبة الأشهب، التي ترى في فعل الرسم انتحاءً نحو الحرية المطلقة، في إحالةٍ نقدية للعلاقة الجدلية بين 'الذات الرائية' و'الفعل البصري'. وقد تبلور هذا التحرر بوضوح في لوحة 'منار طنجة'؛ حيث انصهرت الهوية البصرية للمكان في بوثقة الألوان، فتداخلت التشكيلات اللونية مع الواقع الموضوعي في هارموني بَصري ساحر، جعل من 'المنارة' رمزاً للعبور من ضيق القيود إلى رحابة الفضاء الكوني.

وفي سياق المتخيّل الواقعي، استحضرت ريشة الفنانة نبيلة بيادي كينونة بصرية ملموسة عبر لوحة 'الراقصة الإسبانية'؛ حيث فرض الأحمر الجريء سطوته اللونية، متآزراً مع لوحة ألوان زاهية تنضح بالشموخ والأنفة. بل تجاوز هذا المنجز كونه مجرد محاكاة للواقع، ليصبح فضاءً للتثاقف ومسرحاً للحوار الحضاري؛ إذ نجحت الفنانة في خلق تلاقحٍ بصري فريد بين الموروث الثقافي لمدينة تطوان وعموم الشمال المغربي، وبين الرافد الأندلسي الإسباني. إنها استعادة فنية لهوية مشتركة، حيث ينساب الإيقاع الحركي للراقصة كجسيرٍ يربط بين ضفتين، في وحدةٍ جمالية تعكس عمق الروابط التاريخية والجمالية للمنطقة.

كما استوقفت التجربة الإبداعية للفنانة سامية بنيخلف الزوار والنقاد بعملٍ تركيبي نجح في ردم الفجوة بين سيولة الصباغة وصلابة النحت، عملٌ فرض سلطته الجمالية على المتلقي، فمن خلال توليفة درامية تجمع بين شحوب السّحنة الأنثوية وبين 'خشونة المادة' المتمثلة في الحجر والحبل، صاغت بنيخلف خطاباً تشكيلياً مأزوماً يعكس سيزيفية المعاناة اليومية للمرأة المغربية. إن اختيارها للألوان القاتمة لم يكن مجرد خيار تزييني، بل كان استنطاقاً سيميولوجياً لثقل الوجود، حيث يتحول 'الحجر' من كتلته الفيزيائية إلى عبءٍ رمزي، و'الحبل' من أداة ربط إلى قيدٍ وجودي، في صياغة فنية بالغة التكثيف ترفع 'الألم اليومي' إلى مرتبة المقاومة البصرية المفعمة بالصمود والأنفة.

ولم يتوقف هذا المحفل الجمالي عند استحضار الرواد، بل شهد بزوغ حساسيات فنية شابّة كشفت عن نضجٍ إبداعي استثنائي، مستلهمةً من مرجعيات تشكيلية كبرى لتؤسس لبذور مشاريع فنية واعدة. وفي هذا السياق، برزت التجربة الفتية للمبدعة ملاك الكحاك، التي استنطقت خامة 'الرصاص' في لوحةٍ اختزلت أسمى دلالات الأمومة؛ حيث تجاوزت الرؤية التقليدية للرعاية، لتعيد الاعتبار لمفهوم 'الحضن الوجودي' و'الاحتواء العاطفي'، في ظل انحسار هذه القيم الإنسانية تحت ضغط التحولات المعاصرة. وليؤكد المنجز البصري لملاك بالملموس أن الفن لدى هذه الأجيال الصاعدة ليس مجرد ممارسة عابرة، بل هو 'خيار وجودي' ومسار حياة يعيد صياغة الواقع بلمسات إبداعية.

وقد خص ضيف الشرف الفنان العالمي أحمد بن يسف وسائل الإعلام والصحافة بحوار نقدي عبر فيه عن إعجابه الكبير بهذا المعرض الجماعي للمرأة المغربية، معتبراً إياه موعدًا لإبراز الإبداع النسائي، وداعيًا إلى تكرار مثل هذه التظاهرات في كل مناسبة احتفاءً بالمرأة المغربية، خصوصًا بمدينة تطوان التي تحتضن مثل هذه المبادرات، وتوفر فضاءات عرض راقية كقاعة نادي تطوان الثقافي. كما شدد على أهمية انخراط المراكز الثقافية والنوادي الفنية في شراكات مع الجمعيات والمؤسسات شبه العمومية، من أجل إتاحة الفرصة للمبدعين والمبدعات لعرض أعمالهم داخل مدنهم، دون الحاجة إلى السفر نحو المراكز الكبرى، مؤكداً أن مثل هذه المبادرات تشكل حافزًا قويًا للمبدعين عموماً وللمرأة المبدعة على وجه الخصوص.

وانطلاقًا من هذه القراءة، يتأكد أن هذا المعرض، بما حمله من كثافة بصرية وتنوع أسلوبي، يؤشر على لحظة نضج في مسار الفن التشكيلي النسائي بالمغرب، لكنه يظل في حاجة إلى دعم مؤسساتي يضمن استمراريته، وإلى توثيق نقدي يحفظ ذاكرته، وإلى انفتاح أكبر على الجمهور والفضاءات الثقافية. إن ترسيخ مثل هذه المبادرات كموعد سنوي قار، وتعزيز التكوين الفني للمواهب الشابة، وتوسيع دائرة الشراكات الثقافية، كلها رهانات أساسية لبناء مشهد تشكيلي أكثر توازنًا وشمولية.

وفي المحصلة، فإن معرض "بصمة أنثى لا تُنسى" لم يكن مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل كان فعلًا ثقافيًا وجماليًا عميقًا، أعاد الاعتبار للفن كوسيلة للتعبير عن الذات، وكجسر للتواصل بين الإنسان ومحيطه، وكفضاء مفتوح لاكتشاف الإمكانات الكامنة في النفس البشرية. إنه إعلان جمالي عن حضور المرأة في المشهد التشكيلي، وخطوة واثقة نحو مستقبل تُكتب ملامحه بريشة أنثى تعرف كيف تحوّل اللون إلى حياة.

Comentarios