أين هم المثقفون ؟ سؤال معلق على جدار الصمت


في زمن غير بعيد، كان للمثقف حضور قوي وفاعل في المجتمع . كنا نرى الأسماء الفكرية والأدبية تتصدر الندوات والمحاضرات، فنحضر مجالسهم لننهل من علمهم، ونقرأ مقالاتهم وكتبهم وأبحاثهم لنرتقي بفكرنا ووعينا. كان المثقف رمزًا للجدية، وصوتًا للعقل، وضميرًا حيًا يواكب قضايا المجتمع، وينير الدروب أمام الأجيال.
أما اليوم، فيبدو أن المشهد قد تغير.حيث أن كثيرا من أولئك الذين حملوا مشعل الثقافة والفكر آثروا الصمت أو الانزواء، تاركين الساحة لِمن يملؤونها بضجيج سطحي. برز ما يُسمّى بـ"المؤثرين" على منصات التواصل الاجتماعي على سبيل المثال ، حيث تُستهلك مواضيع تافهة وسطحية لا تضيف شيئًا للعقل، بل تساهم في تسطيح الوعي وتبخيس قيمة الثقافة الحقيقية. بل هناك فئات تعمل على هدم مقومات المجتمع و الأسرة، و تسعى جاهدة على محو القيم و المبادئ التي تربى في حضنها المواطن المغربي، و كل ذلك تحت غطاء الحرية و المساواة و حقوق الإنسان و ما إلى ذلك من الشعارات الرنانة التي تخفي الأهداف الخبيثة .
و لهذا نطرح السؤال مرة أخرى: أين ذهبت تلك الأصوات الرصينة التي كانت تصنع رأيًا عامًا واعيًا؟ أين اختفى أولئك الذين كتبوا فأثروا، وألقوا فألهموا، وجادلوا فأقنعوا؟ أهو اختيار للظل بعيدًا عن الصخب الفارغ، أم استسلام لواقع لم يعد يرى في الثقافة قيمة تُقدَّر؟
إن سؤال "أين هم المثقفون؟" ليس حنينًا إلى الماضي فقط، بل دعوة إلى استعادة دور المثقف اليوم. إن المجتمع يحتاج إلى من يرفع مستوى الحوار، ويعيد الاعتبار للمعرفة، ويقاوم هذا السيل من التفاهة. فالثقافة ليست ترفًا، بل شرط أساسي لأي نهضة أو تقدم.
فلعل الإجابة تكمن في وعي جديد: أن يعود المثقف إلى جمهوره، وأن يعود الجمهور إلى المثقف، حتى لا يبقى الفراغ مستباحًا لسطحية لا تليق بذاكرة الأمة ولا بطموحاتها.

Comentarios