الفصل الثاني عشر
الإثم الآخر
لابد أن إيدنا الآن بعيدة جدا،
لكن ذكرى قوامها الممشوق ما تزال طرية. لقد كانت هناك في ذهنه. في ذاكرته، في
دواخله...لا تبلى.
من زجاج غرفته – رقم 212- نصف
الشفاف، في فندق بارادور بالعيون، كان يتأمل كيف كانت ترفرف راية عملاقة حمراء
تتوسطها نجمة خضراء، على وقع ريح خفيفة في المساء الصحرواي. كانت ترفرف بطريقة
شامخة. لم يكن ذلك حفلة فالس أو حفلة تانغو." لقد كان غزل الهوية المغربية".
فكر. ..فكر في ذلك ثم قاله، وأتبعه بضحكة طويلة تدل على الرضى.
-
لكن
ماذا وقع لك؟ سأله خالد
-
لا
شيء. إنها حماقات المساء.
-
ماذا؟
-
إنها
ذكريات لا تحكى، تأملات حميمية.
-
اذهب
أنت و تأملاتك. إنك تضحك كالأحمق.
-
في
الحقيقة أنا كذلك.
ودون أن يدري لماذا، تذكر بعض
الكلمات الطفولية المحلية من تطوان مسقط رأسه. ثم أحس برغبة كبيرة في التهام محتوى
مكتبة الأستاذ بنعزوز الحكيم العجيبة، أحس بذلك في قرارة نفسه وهو يقلب الورقة تلو
الأخرى، والفكرة بعد الفكرة. وبعد حلم بقي دائما جافا، تساءل لماذا تمتلئ عيناه
بالدموع كلما تذكر مدينته، لماذا يقضي حياته وهو يبحث عن أدلة تدين الأصحاب
والأغراب بتهميش وإهمال التاريخ وحاضر مدينته.
ثم ابتسم من جديد وهو يتذكر، وهم
صغار، أنهم كانوا ينادون مصنع الكهرباء الكبير:" الجنس في العالم"
وكانوا ينادون الممثل العبقري شارلي شابلن: شالي المخنث. وكانوا ينادون الذين لم
يكونوا منحدرين من عائلات كبيرة: أبناء فطومة والجندي.
كان الأمر فريدا في الحقيقة، فقط
نحن التطوانيين من يقدر أن يتفتق خياله بتلك الطريقة." هكذا فكر.
كان يعلم أنه لن يعود إلى رؤية
المسمري وعربة حماره المخصصة لنقل البضائع وتفريغها. لقد كانت وسيلة نقل كأي وسيلة
أخرى". قال قبل أن يضيف:" لقد كان الوحيد". حاول أن يتذكر وجه: سي
المفضل النغنوغي، الاسطوري علال شوبيرا، "زرع أو كوّن" سبعة وسبعون
سلة". لن يسمع مرة أخرى أكاذيب المتقاعدين في ساحة الفدان. ولا أحد سيأتي
للرباط لكي يطلب منه التدخل عند السلطات الدبلوماسية للإفراج عن معاشه، لأنه منذ
عامين لم يتلق شيئا.
لم يكن ذلك لا طيبة ولا خبثا.
كانت تلك طريقته الحنينية لإحياء الماضي الذي كان يعتقد بأنه فريد وبأنه كان يريد
حمله داخله وأن لا ينساه أبدا." حرفة بوك لا يغلبوك". كان يردد في نفسه.
-
لا تقل لي أن لا شيء بك.
-
لماذا؟
-
منذ لحظة و أنت تبتسم، تقريبا كنت تبكي، وفي الأخير
طفقت تكلم نفسك
-
وماذا بعد؟
-
ليس أمرا عاديا. يا صديقي
-
ليس هناك ضرر.
" وماذا لو علموا الذي أفكر
فيه الآن؟ تساءل في قلق. لقد قاطعوه تماما في لقطة فيلم ذكرياته التي كان يود
الوصول إليها: إيدنا وهي تتعرى. بشعرها الأشقر بسبب الريح التي لم تكن تهب. ورغبة
جنسية تستيقظ.
أخرج الميدالية التي أهدته إيدنا
ذات يوم، قبلها ثم عاد ليعلقها حيث كانت: كانت رائعة.
كانت مساءات مدينة العيون فريدة:
صدق من قال أنه اكتشف الله في شساعة الصحراء.
لقد اكتشف هو أشياء أخرى كثيرة.
كانت درجة الحرارة خانقة، وكانت
تأوهات إيدنا وصياح الصغار وأصواتهم في الخارج، وصوت البلي التي يلعبونها في
الطابق الفوقي، والخوف من أن يكتشف أحدهم ما كان يقع في تلك الغرفة، كل ذلك كان
يزيد من حدة شعوره بالمسؤولية.
"فليسامحني الله".
وكانت تلك الجملة تذكره بشكل غريب بجملة مشابهة لأبيه ذات يوم خريفي مارتيلي.
في كل مرة يحاول فيها أن يتذكر
الحياة: حياته، وحتى قبل أن ينشأ فيها، ودون إعلان مسبق: إيدنا والأحلام الجديدة،
كانت ضبابة كثيفة تغطي ذهنه و ذاكرته.
ومع ذلك كان يصر على تصور كيف
كانت حياته ستكون بدونها. كان يلعب بخصلة شعر شقراء من شعر إيدنا، وهو يتأمل اللون
الأزرق في عينيها، ويتذكر محيطا يعرفه قليلا. قليلا جدا." البحر المتوسط
أحسن، لكن عيناك أحسن بكثير منهما(المحيط و المتوسط)." وكان الآن يرى موجات
غير عادية في البحر المتوسط، بينما كان يمرر أصابعه على شفتي وثديي إيدنا، معتقدا
أنه كان يحس بدقات قلبها.
بالإضافة إلى النصيحة فقد جلب له
الليل شيئا سيطبع حياته إلى الأبد. كان يلاحظ كيف كانت عينا ايدنا مغلقتين ولم تكن
تفتحهما إلا لإزالة الشعر من جبينها، ثم كانت تبقى لحظة بعد ذلك نائمة نوما
عميقا." تبدو كملاك". قالها قبل أن يضيف: فليسامحني الله.
كان الوقت متأخرا، لكنه كان يحس
بأنه غير قادر على إيقاظها. نهض خلسة ثم توجه على رؤوس أصابعه إلى المغسل. أدار
وجهه: لم يكن هناك لا لباس ديني ولا مسبحة. كانت غرفة عادية في فندق تطواني، دون
صليب ولا محراب، لكن بوجود كثير من الصور والذكريات التي كانت تختلط بين الماضي والحاضر.
كان يظن بأنه يحلم. كان يرى كل
شيء غير حقيقي: حتى جسم إيدنا المستلقي هناك بتألق، لكي يذكره بأنه الحاضر
والحقيقة والواقع. طفق ينظر بتركيز دون أن يدري لماذا كان يحس برغبة كبيرة في أن
يحكي لها حكاية" استيقظت مبللا بالدموع والعرق، طوال ذلك الليل بكيت موت قطي
الذي كنت أحبه كثيرا، حتى حان الصبح حينها تذكرت أني لم أكن أملك قطة، ولم أحب قط
قطا، لم تكن القطط تعجبني، وبأني أفضل الجنس البشري، ووووو.
حينها اجتاحته رغبة لا تقاوم في
أن يكون سائحا في هذا العالم. أن يكون مسافرا بسيطا وجب عليه أن يرحل،أن يختفي، أن
يأتي، أن يرى ويعود. كان يحب أن يعود إلى كل الأشياء، وإلى كل الناس: "أن
تعود يعني أن تعيش"، كما كان يردد في نفسه دائما. زائرا بسيطا دون أن تفرض
عليه التصورات العادية والمفاهيم الوطنية ولا أن يحترم الأوامر الاجتماعية و القيم
الأخلاقية ولا الحقوق المعنوية والواجبات. وأن يعيش بلا مبالاة أمام كل ما يقع أو
ما يمكن أن يقع. .
طفق يتخيل
الحدود بين الخير والشر، بين الفضيلة و الرذيلة، بين الحب والبغض، بين الحلال و
الحرام، و بين الموت والحياة.
كان يعرف
بأنه غير قادر على أن يكون فكرة بطريقة صحيحة، وكان يجاهد من أجل ألا ينزلق في
التنافر والوقاحة. ومنذ لحظات قليلة لم يعد يميز بين الحقيقة والخيال. و إيدنا كان
يبدو أنها تبتسم، وكانت ذلك يبدو مهدا أكثر من كونه سريرا.
-
على أقل من مهلك. قال شيخ مسن وهو يودع شابا، ربما كان ابنه أو حفيده، وكانت
ابتسامة هذا الأخير تزين صراحة سخرية معتادة مع الشيخ المسن -و الذي يبدو، رغم
حالته-، أنه كان يدافع عن غرور أغبر الآن، والذي كان في وقت سابق شفويا.
مازال
علي بن أحمد يواصل شرحه لقصة المستوصف أو الملجأ النفسي سيدي فرج التي لم تكتب
أبدا.
-
كانت الفكرة الأولية نبيلة: أن لا يترك تطواني واحد
يمتهن التسول.
-
لكن بدون مساعدة أو تدخل للدولة؟ سألت إيدنا بصوت
ملؤه الاهتمام والسذاجة في آن.
-
لا. إن الأغنياء أو على الأقل الذي يملكون أكثر مما
يحتاجونه، يجمعون الأموال التي تصرف في تسيير الملجأ. إلى حدود سنة 1960 كان عدد
سكان المدينة أقل من 15000 نسمة. ولم يكونوا يجدون صعوبة في إيجاد الحلول لهذا
النوع من الاحتياجات في المدينة.
-
وماذا وقع بعد ذلك؟ عادت إيدنا لتسأل.
-
أشياء كثيرة، كان من أخطرها الهجرة القروية، نتيجة
توالي سنوات الجفاف، وهجرة أخرى من الجنوب بسبب أسباب سياسية.
-
أسباب سياسية؟
-
نعم. في السنوات الأولى للاستقلال، تقريبا الى حدود
سنة 1960 وبعدها كانت تطوان والشمال بصفة عامة الوجهة المفضلة لبعض المحتاجين من
مدن في وسط البلاد
-
من ذاك؟.
كان
هناك رجل يطل برأسه من غرفة صغيرة نظيفة- بشكل جيد و منظمة- من غرف المؤسسة
العجيبة. كان يجلس على أريكة مصنوعة من خشب الاوكاليبتوس، وكان يبتسم بطريقة
رقيقة، توحي بملامح ارستقراطية هزمها الفقر والهشاشة. كان في منامته النظيفة
والمكوية، ووشاح حريري ناعم، يلف عنقه بعناية ، وخف جديد. وكان ذلك الرجل يحاول أن
يسلم.
-
هل تعرف من هو؟
-
لا. لكنه يبدو عاديا. إنه واحد من أولئك الرجال و
النساء الذين يعيشون هنا منغلقين بين الماضي الثري والحاضر المتقشف. من الناس
الذين لم يتعودوا على الفقر. وعلى وضعية النقص الجديدة. إنه يتعلق بالماضي، بكيف
كان، ولا يريد أن يهجر تلك اللحظات المضيئة ولكنه أيضا يعيش بجرعة قوية من الحنين
الذي يجعله يفقد الإحساس العام. ومثل الكثيرين هنا، فهذا الرجل ليست له أدنى فكرة
عن تطوان الآن وتعداد سكانها الذي يصل إلى 70ألف نسمة تقريبا، ولا عن الخراب الذي
تسببه الهجرة القروية المتسارعة. يفضلون ألا يخرجوا، ألا يعرفوا، ألا يروا. هذا هو
عالمه. هذه هي تطوانه. متألقة في خياله الخصب ولكن المضطرب جزئيا.
كانت إيدنا تنظر إلى الرجل،
والذي لم يكن يعر مطلقا حضورها أي اهتمام أو أهمية ، ولا اهتم بالتقديم الذي قام به للتو علي بن احمد.
-
أتذكر
يا سي عمر الحاج أحمد؟
-
كيف
لا.لا بد انك ابنه. تشبهه كقطرة ماء. أتعرف؟ كان الحاج أحمد هو الشيء الوحيد
الحقيقي في هذه المدينة و في هذا العالم.
-
ألهذا الحد؟
-
وأكثر
-
أتذكر
مارتا؟
-
راهبة
مارتيل؟
-
نعم.
كانت
إيدنا تلاحظ حركات سي عمر وتعليقاته كما لو كانت توثقها. كان ذلك الرجل رائعا:
صادق، مخلص، وإنساني بعمق.
-
أتعلم يا سي عمر، هذه الشابة هي بنتها.
-
بنت من؟
-
بنت مارتا
-
دعني أرى، إنها ليست بنت الحاج، أليس كذلك؟
-
لا يا سيدي. ولو أنني وددت أن أكون كذلك. و هذه
المرة أجابت إيدنا.
-
قلتها لأن..وسي عمر لا يكمل الجملة كما لو أنه
انتبه إلى أنه سينزلق.
-
هذا الرجل أكثر تألقا منا نحن الاثنين. قالت إيدنا
لعلي بن احمد قبل أن تتوجه لسي عمر: أتعتقد يا سيدي أن أصدقاء الحاج أحمد رحمة
الله عليه يذكرون بطريقة جيدة مارتا..راهبة مارتيل؟
-
في الواقع لا أحد تعرف عليها. ولا أنا. رغم أني كنت
أفضل أصدقاء الحاج، تقريبا كنت صندوق أسراره. لكنه كان يحكي لي أشياء عنها وعنه وعنهم
جميعا، عن علاقته وشعوره و صلواته.
كان الرجل يبدو عاديا جدا أكثر
من الموجودين في الخارج، عكس ما قالوه لعلي بن أحمد حينما وجه له كلمة أول الأمر.
-
نعم.
أعتقد أنها كانت إنسانة طيبة، طيبة جدا، كما يقال هناك.
-
من؟
-
مارتا. راهبة مارتيل. سأقول لكم شيئا: منذ أن عرفها
الحاج رحمه الله، تعلم منها الكثير، وصار مسلما جيدا تقريبا أصبح وليا. طيب، أو
على الأقل بالنسبة لي.
كان الرجل يتحدث عن صديقه الراحل
بإخلاص، وكان أحدهم قد قال لعلي بن احمد بأنه منذ وفاة الحاج أحمد، تحول سي عمر
الى يتيم.
لم تعرف ايدنا ما تقول. ولا ما
تفعل. ولا كيف تفكر، لا كيف ستتصرف. كانت تريد أن تسأل عن أشياء لم تخطر ببالها،
كانت تريد أن تحكي لسي عمر قصصا لا يذكرها، كانت تريد أن تقول له بأن أمها الراحلة
مارتا تحولت إلى متدينة مخلصة أكثر عندما عرفت الحاج أحمد بن علي. في نهاية الامر
كانت تريد أن تقول له بأنه لا الراحلة أمها و لا الراحل الحاج حاولا صلب الحب.
هذا فقط مجرد البداية لتطرف
مفهوم ومغذى ومنفذ عبر حسابات خاطئة لبعض القوى الغربية" هذا ما قاله سي عمر
مهلوسا تقريبا و مركزا نظرة ضائعة إلى الافق. سكت لحظة قبل أن يضيف:" والحاج
رحمة الله عليه، كان من عادته أن يتأمل هذه الجملة قائلا:" وهم يلعبون
بالنار. نار الإسلام."
-
لماذا
قال هذا؟ سألت إيدنا علي بن أحمد.
-
لا
أعرف. صراحة لا أعرف. أتودين أن أسأله؟
-
لا.
دعه يقول ما يريد.
-
لا
تعتقدوا أني أحمق. أتعلمون.؟ إن الجملة الأولى كانت لأمك، و الثانية لأبيك الحاج.
قال سي عمر بحزم ويقين.
-
كيف
يمكنك أن تقيم مارتا راهبة مارتيل يا سيدي؟
-
اسمعي،
لا أنا ولا غيري له الحق في تصنيف الناس وتقييم أعمالهم. هناك، وأشار إلى السماء،
يوجد من سيتكلف بذلك. أنا أكتفي فقط بزعزعة هذه الذاكرة.
لم يكن سي عمر يبدو مستعدا
للدخول في تقييمات من النوع الاخلاقي أو الديني. أخرج مسبحته من الجيب الداخلي
لسترته و بدأ يعيد:" الله أعلم".
كان علي بن احمد يشير الى ايدنا
بالاستعداد لترك الملجأ. لقد حانت ساعة الفطور.
-
طيب
سي عمر، شكرا جزيلا لأنك سمحت لنا بهذه اللحظة القيمة، والله يعطيك الصحة و طول
العمر.
-
طول
العمر؟ لم؟ إن كان لفعل الخير فنعم، لكن إن كان لمواصلة الخطايا فإني أطلب من الله
أن يلحقني به.
كان الناس يخرجون من كل الغرف
بصحونهم و يتجهون إلى المطبخ.
-
ألن تسألوني عن نوعية الطعام؟
-
ولم لا؟
-
جيدة، لا يمكن أن تكون أحسن مما هي عليه. لا يجب أن
نشترط ونحن ضيوف هنا.
دخل سي عمر إلى غرفته وهو عند
العتبة عاد ليرفع يده إلى السماء قائلا: الله يرحمكم.
-
قالها بصيغة الجمع يا علي، من يقصد؟
-
أكيد أنه يقصد والدينا الراحلين.
-
هذا الرجل يستحق مصيرا أحسن.
كانت النظرات الفضولية للمرتفقين
بصحونهم تدعو علي و ايدنا إلى مغادرة
المكان.
الكثير منهم كان ارستقراطيا أو
على الأقل كان إنسانا مهما. وبالتالي فلا يعجبهم أن يكتشف أمرهم.
الكرامة إلى آخر المشوار.
لا أحد كان يعرف البداية ولا
النهاية، ولكن الأكيد هو أن أولئك الرجال، وشكل وجودهم وطريقة عيشهم لمصيرهم بقيت
راسخة إلى الأبد في ذاكرة إيدنا.
كانت ايدنا تشير خلسة بيدها إلى
علي بن احمد لكي يعود ويسأل سي عمر. ومن نافذة القبة التي كانت نسبيا مهملة، كان
علي و ايدنا يتابعان- مرتبكين- حركات وخطوات الضيوف خلال فسحة وسط النهار،
كانوا يتصرفون بطريقة محترمة بافتخار كما لو كانوا ضباطا عسكريين وسط ساحة المعركة.
بعضهم كان يسرق نَفَسا من أعقاب سجائر مخبأة بطريقة دقيقة، وهم يراقبون عن يمينهم
و شمالهم إن كان أحد ما يراقبهم.
-
صباح
الخير سي عمر، تلك التحية أتت من ممر ضيق قبالة قبة سي عمر، من رجل نحيف جدا، لكن
شعره مصفف بطريقة أنيقة وكان على كتفه منديل وفي يده فرشاة أسنان.
-
صباح
الخير بابا جلال. أجاب سي عمر بحب وحزن قبل أن ينادي ثانية على علي بن أحمد الذي
عاد جريا.
-
نعم
سي عمر
-
كنت
أتساءل إن كنت ستتعرف على بابا جيلالي.
-
في
الحقيقة لا.
-
هذه
الرجل أسطورة حقيقية. لقد أمضى كل حياته هنا. نصفها كممرض مع الدكتور طوريغانو
ونصفها الآخر مريضا، أكد سي عمر على ذلك بطريقة فلسفية وتسليم بالأمر قبل أن يضيف:
يعني لم يخرج من عالم المرض قط. من ممرض إلى مريض. يا لها من حياة. ولكنها قاعدة
اللعبة، وعندما يقبل المرء أن يعيش يجب عليه أن يقبل بقاعدة اللعبة. إنه الآن يمضي
حياته في الصلاة والأدعية. إنه شيء مثير للإعجاب حقا.
-
وماذا
حصل له؟ سأل علي بن أحمد موليا بصره نحو إيدنا كما لو كان يسألها إن كان ذلك هو ما
كانت تريد.
-
المسألة
فيها النساء. يعني أنها قصة كان يجب أن تنتهي هكذا عندما يحب المرء بطريقة خاطئة
وغير محسوبة.
ثم
بدأ سي عمر رواية قصة هذا الرجل الغريب " الذي كان يملك عائلة، أبناء ومداخيل،
لكنه أحب اسبانية جميلة جدا، ولكي اختصر لأنها قصة طويلة جدا ومحزنة، هجرته وتركته
للحمق.
كانت
إيدنا تسمع بانتباه ما كان سي عمر يحكيه.
-
ومن هو هذا الدكتور طوريغانو؟
-
لقد كان..؟ لماذا أثار انتباهك هذا الاسم؟ سألها
علي بن احمد.
-
هذا الاسم منتشر بكثرة في فالبراييسو في كل
المكسيك. جدي لأمي كان اسمه كذلك.
-
آه، لم أكن أدري. فطوريغانو كان الطبيب الرئيس في
هذا مستشفى الأمراض العقلية هذا.
-
منذ متى كان مستشفى للأمراض العقلية؟ صحح له سي عمر
بسخرية.
-
طيب، في الواقع عندما كان مستشفى للأمراض العقلية،
لأني نسيت أن أقول لك يا إيدنا بأنه قبل أن يصير ما هو عليه الآن فقد كان مستشفى
للأمراض العقلية. في تطوان عندما يراد الإشارة إلى أن إنسانا تظهر عليه علامة
الحمق، كان يقال بأنه يحتاج الذهاب إلى سيدي فرج. يعني هذا المكان.
عاد سي عمر ليحدد بدقة: الدكتور
طوريغانو عالج نصف سكان تطوان. الذين تشرفوا بمعرفته و معرفة هذه المدينة، يعرفون
جيدا أنه عندما كان هنا فلم يكن هناك حمقى كثيرون في تطوان. كان من بين الاسبان
الذين... كيف أصفه؟ من الذين سقطوا في حب هذه المدينة حتى الموت أو التقطوا عدوى
ذلك الحب.
قبالتهم كان يمر رجال ويحيونهم و
هم حاملون لفرشاة الأسنان والمعجون.
-
إنهم
يستيقظون متأخرين.
-
ولماذا
سيبكرون؟ لكي يفعلوا ماذا؟ إنها الجنة هنا و في الجنة لا يستيقظون باكرا.
كان سي عمر يبدو هادئا. كان يحيي
بلباقة كل الذين كانوا يمرون، مكررا العبارة نفسها: صباح الخبر، الله يسلك
الأمور". كانوا هم يردون عليه: آمين. كان النظام والترتيب وحكمة أولئك الناس
قد أثار فضول إيدنا ما جعلها تردد دون توقف لعلي بن احمد:"إن الأمر
سوريالي".
-
كثيرون
إن لم اقل الأغلبية الساحقة يفضلون نافورة الماء الموجودة في وسط الحديقة. قال سي
عمر فجأة، كما لو كان يشرح لمخاطبيه أنه رغم توفر كل غرفة على مرحاض و مغسل فأولئك
الناس كانوا يفضلون النافورة.
-
ربما
للطقس الجيد.
-
ربما،
ولكن أيضا في فصل الشتاء، حينما لا تكون هناك أمطار، الأمر سيان.
-
إنهم لا يأتون جماعات، بشكل فضولي.
-
لا. قاطعهم سي عمر. أتدرون لم؟
-
في الحقيقة . لا.
-
لأن هذا هو المكان الوحيد الذي لا يُتناقش فيه.
-
ولماذا لا يتناقشون فيما بينهم؟
-
ماذا سيقولون؟ إذا كنا جميعا مستسلمين. كلنا لنا
وجهة النظر نفسها حول الحياة وتقلباتها. والباقي عبارة عن تنميق.
أطلقت إيدنا قهقهة وهي ترى بابا
جيلالي بجلابيته البيضاء وطربوشه الأحمر، وبَلْغة صفراء كما لو كان شخصية هاربة من
كتاب ألف ليلة و ليلة.
-
قل لها: إنه يوم الجمعة وباب جيلالي لم يتأخر قط
ولن يتأخر عنها مادام حيا. صحح سي عمر موجها كلامه لعلي بن احمد.
-
إنها صلاة الجمعة الفريدة. لقد اعتاد على القول إنه
أحسن يوم، أحسن لحظة، وأحسن شيء له معنى بالنسبة له.
وبخطى
بطيئة لكنها كانت فريدة، وزربية الصلاة المصنوعة من الحرير الأحمر، ومظهر
ارستقراطي، اختفى بابا جيلالي بين الجموع.
-
إن
المسجد قريب.
-
الجامع
الكبير؟.
-
نعم.
بابا جيلالي يفضله، لأنه كما يقول:" له ساحة تحس فيها بأنك في مكة".
-
صحيح.
-
أتعلم
يا علي؟ إن هذا الرجل الفقير أحب وما يزال اسبانية جميلة اسمها روزا. كان يحبها
لدرجة أننا تصورنا أنه نسي كل شيء إلا الحب. لم يكن يعرف شيئا آخر إلا الحب.
وبالجملة فإنه كان يحبها كثيرا، وبعد مرور 45 سنة كتب رسالة إلى ملك اسبانيا يطلب
فيها تطبيق البند الثالث من الفصل الثاني من الدستور الاسباني.
-
وماذا
يقول هذا البند؟ سأله علي بن أحمد مندهشا، قبل أن يفسره لإيدنا التي كانت مرتبكة،
تنتظر جواب سي عمر، والذي عندما لاحظ ذلك خطا خطوة إلى الوراء، ثم توجه إلى خزانة
صغيرة في ركن من أركان القبة، فتحها وغاص
بأصابعه فيها باحثا بين الملابس القليلة إلى أن أخرج صندوقا صغيرا.
-
أسرار،
قال قبل أن يوضح: أسرار الآخرين. توقف قليلا قبل أن يضع نظاراته القديمة و يبدأ في
القراءة:" يمكن للدولة أن تعتبر الأشخاص من أمريكا اللاتينية أو الذين كانت
لهم أو لهم(الآن) علاقات مع اسبانيا حاصلين على الجنسية المزدوجة." ثم توقف
وقفة طويلة هذه المرة، فأزال نظارته وبدأ يتلو خطابا طويلا :" يعتقد بابا
جيلالي بأن له علاقة مزدوجة مع اسبانيا: بصفته مستعمَر قديم من طرف اسبانيا
وبعلاقته مع اسبانية". ثم عاد لقراءة الوريقة التي أخرجها من الصندوق القديم:
في هذه الدول نفسها، عندما لا يعترف لمواطنيها بحق من حقوقهم المتبادلة يمكن أن
يحصلوا على الجنسية الاسبانية دون أن يفقدوا جنسيتهم الأصلية."
كان كل من علي بن احمد و إيدنا
يستمعان بانتباه للقصة السوريالية التي كان يحكيها سي عمر.
-
وماذا
فعل بابا جيلالي؟ سأله علي بن احمد.
-
كل
ما كان بوسعه: كتب لملك اسبانيا، لرئيس الحكومة، وحتى لمحامي الشعب.
-
وهل
تلقى جوابا؟ سألت إيدنا علي بن احمد الذي بدأ يحاول الترجمة لسي عمر الذي قال:
-
لقد
فهمتها. قل لها بأن بابا جيلالي لم يفعل ذلك لكي يتلقى جوابا ولا من أجل الحصول
على جنسية أخرى. لأن الناس مثله ومثلي يعرفون تماما وانطلاقا من كل الزوايا، الإفلاس، ولكننا أحيانا نتبع المسطرة، هل فهمتم؟
-
في الحقيقة لا. أجابت ايدنا وعلي بن أحمد في آن.
فعاد إلى الخزانة و أخرج مجموعة من الرسائل ثم قال لهم:
-
في كل مرة كان يتلقى فيها رسالة كان يأتي لي بها ،
ليس لكي أقرأها له، لكن لكي أضعها في الأرشيف.
-
لكن لماذا؟
-
لا أدري ولم أسأله قط. الأكيد أن بابا جيلالي أصر
على أن تبقى تلك الرسائل على الحالة التي تسلمها فيها. أحيانا كان يأتي يلقي عليها
نظرة ثم ينصرف.
أخرج سي عمر من العلبة الملفوفة
بدقة بحبل رفيع رسالة وسلمها خلسة إلى
إيدنا. في ظهرها كتب الاسم والعنوان: السيدة كريستينا ساوموس، الوزير وسكريتير
النظام في لازارزويلا(القصر الملكي) وبعدها أخرى من لا موثيونة و أخرى...كان ينتظر
استرجاعها بعد رؤيتها من طرف علي بن احمد و ايدنا,
وقبل أن ينطق أحدهما، توقع سي
عمر فقال:
-
آسف، ليس ممكنا، إنه شيء لا يخصني وسيكون عبثا طلب
ذلك من بابا جيلالي. إنها تراثه. إنه يشكل كل إرثه الثمين. وأنصحكم بأن تتركوا
الأشياء هنا.
أجاب سي عمر إيدنا عن طريق علي
بن أحمد، وكانا سيطلبان منه إن كان بإمكانهما الاحتفاظ بتلك الرسائل لبعض الأيام.
عاد سي عمر بكنزه إلى الخزانة وعلقها
بحذر قبل أن يعود ويقول لمخاطبيه بابتسامة حكيم:
-
ذات يوم عندما لا نكون لا أنا ولا بابا جيلالي، كل
هذا سيكون ملكية فكرية للإنسانية.
-
الله يحفظك سي عمر.
-
نعم، ويحفظكم أنتم أيضا.، وهكذا سيمكنكم أن تتعرفوا
على الجوانب الغامضة التي تم الاحتفاظ بها لمدة سنوات في السر.
وعندما رأى إيدنا توشوش لعلي بن احمد شيئا في
أذنيه، اقترب منها سي عمر وقال لها بلغة اسبانية:
-
أنا آسف، صراحة، يا حلوة.
-
إنك تتكلم الاسبانية بشكل جيد يا سيدي.
-
لا. أنا ارطن الاسبانية كبقية التطوانيين الذين هم
في مثل عمري وعصري.
بحث سي عمر عن المفتاح في جيبه،
دار نصف دورة ثم أغلق باب القبة وقال لهم:
-
يجب أن أسرع و إلا لن أتمكن من حضور خطبة الجمعة المهمة.
من جميع الغرف كان يخرج رجال
وبعض النسوة المحتشمات في جلابيبهن البيضاء وبألوان أخرى، وهن يحملن الزربيات تحت
آباطهن. وبعضهن يحملن مسبحات.
-
يجب أن نذهب يا إيدنا. إنها ساعة صلاة الجمعة تقريبا،
وهذا اليوم هو مقدس هنا بالنسبة للجميع.
في الخارج كانت الشوارع شبه فارغة،
وكان باب العقلة أو باب الملكة والألف أسطورة وأسطورة التي نسجت عبر التاريخ
حولها، كانت ما تزال تفرض نفسها كذكرى ولوحة
لماض مجيد.
كان صوت المؤذن للصلاة يسمع من
جميع المساجد: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول
الله...
كانت أصوات المؤذنين تبدو
كسمفونية مركبة من أصوات و ألحان، توحد المسلمين وغير المسلمين.
ولم يكن ذلك يبدو لإيدنا مفاجئا.
بالعكس كانت تستمع بانتباه وأيضا بشيء من الإعجاب والرضا.
-
أتفهمين ما يقولون؟ سألها علي بن أحمد.
-
أعتقد أن نعم. أجابت دون أن تزيح نظرها وهي تبحث عن
أقرب مكان لصوت المؤذن.
أصر علي بن أحمد على أن يفسر لها
ما يقوله المؤذنون:
-
لقد فسرته لي أمي أكثر من مرة. بالمقابل أود أن
تقول لي ما قاله لك سي عمر وهو يسلمك المسبحة. أو على الأقل قل لماذا ضحكتم كثيرا.
قبل أن يجيب، فكر علي بن أحمد
لحظة قبل أن يطلق قهقهة طويلة:
-
أيمكنني
أن أعرف لماذا تضحك؟ أكان طلبي مضحكا إلى هذه الدرجة؟
-
المضحك
هو ما قاله سي عمر. سأحكيه لك، ولكن عديني أنك لن تغضبي
-
ولماذا
سأغضب؟
-
اسمعي
يا إيدنا. ما قاله سي عمر ليست له أدنى قيمة، بالإضافة إلى أنها قصة قديمة.
-
أعرف،
يجب أن يكون الأمر كذلك. كل هذا هو عبارة عن قصة قديمة. وأنا هنا بعد أن قطعت آلاف
الكيلومترات لأعرف تفاصيل هذه القصة القديمة. أتفهمني؟ يا علي.
-
سي
عمر طلب مني ألا أخبرك ولكن..
-
أهو
خطير لهذه الدرجة؟
-
لا.
لكنه غير لائق بعض الشيء. رغم أن الأمر عبارة عن مزحة.
-
أقلت
مزحة؟
-
نعم
مزحة.
-
لكن،
حلفتك بالله، بم يتعلق الأمر، احك لي، يا علي من فضلك. إنك تثير فضولي.
-
اسمعي
يا إدنا، قال لي سي عمر أن أبي الراحل عندما كان يريد أن يمزح مع أمك الراحلة، كان
يقول لها بأن المبشرات الكاثوليكيات هنا في المغرب وفي باقي دول العالم كن عبارة
عن بيدوفيلات دينية.
-
وبم
كانت تجيبه؟
-
لم
يخبرني سي عمر شيئا.
-
بيدوفلات
دينية، بيدوفيلات دينية...رددت ذلك إيدنا بين ضحكة و أخرى.
-
أتعرف
يا علي، هذه الجملة مضحكة. والمضحك أكثر لو عرفنا جواب أمي، ولكن في نهاية
الأمر...
-
أعتقد
أنه لا أنا ولا أنت نعرف طبيعة العلاقة بينهما على وجه الحقيقة.
-
تماما.
بهذه الروح المرحة اعتقد أنهم كانوا يخبئون شيئا لا أحد كان يستطيع فهمه حينها.
في ذهن إيدنا بقيت تدور صورة سي
عمر وهو يستمع لاعترافات الحاج أحمد بن علي .
-
أعتقد أن سي عمر كان أكثر من صديق بالنسبة للحاج
أحمد بن علي.
-
ربما كان كاتم أسراره.
-
لا.
غيرت إيدنا مسار الحديث، يبدو أن
مزحة بيدوفيليا دينية لم تعجبها كثيرا." ولهذا السبب لم يكن يرغب في حكيها
لي". قالت بصوت منخفض جدا.


Comentarios
Publicar un comentario