القصة الكاملة لأسوأ عملية ريع في المغرب بقلم: المختار الغربى



كانت عمليات تصفية الإرث الفلاحى للاستعمار تتم بواسطة التعاملات الفردية، التي كانت تشي بأن تلك الثروة الفلاحية ذات المساحات المترامية الأطراف، ستضيع بين أيادي محدودة، في وقت كان المغرب في حاجة إلى تلك الثروة للاكتفاء الذاتي.
هذه الحالة دفعت الدولة للتدخل بهدف ضبط عملية استرجاع الأراضي الفلاحية الخصبة من أيادى المعمرين، وقد تم ذلك عبر إصدار ظهيرين  الأول، تسترجع بموجبه الدولة أراضي الاستعمار الرسمي، والثاني، يخضع جميع الصفقات العقارية المتعلقة بالملكيات الفلاحية لموافقة الدولة.
هكذا بدت الأمور للوهلة الأولى، إلا أن الذين أفتوا بهذا كانت لهم أهداف أخرى تتمثل في إبعاد شبح التأميم، عن طريق اختيارات تروم التوازن بين بعض الطبقات الطامعة في الحصول على حصصها من تلك الثروة. فكانت النهاية تصفية القطاع الاستعماري لصالح بورجوازية كان نصيبها حوالي ثلاثة أرباع المساحة التي كانت بيد المعمرين، وبذلك تم إقصاء الفلاحين الفقراء الذين كانوا في حاجة إلى تلك الأراضي الفلاحية.
خلال سنتي 1972 و 1973 ولمواجهة هذا الإشكال ،تم إنشاء شركتي صوديا (شركة التنمية الفلاحية) وسوجيطا (شركة تسيير الأراضي الفلاحية) بهدف تسيير واستغلال جزء مهم من الأراضي التي استرجعتها الدولة. وكانت المساحة المعنية305.000 هكتار من أجود الأراضي الفلاحية، التي وزعت أغلبها على شكل هبات لكبار المسؤولين في جهاز الجيش والإدارة، تم اختيارهم من بين أسوأ رجال الدولة المعروفين بانتهازيتهم وقربهم من الحكم، وذلك عن طريق تعيين مسؤولين للتسيير على الشركتين. هكذا تعرضت شركتي صوديا وصوجيطا لعمليات نهب ممنهج أوصلتهما إلى وضعية إفلاس، حتى يتم التحكم في طريقة توزيع وتفويت تلك الثروة الفلاحية الهائلة تحت إشراف الدولة. وكانت النتيجة حرمان فئة من الفلاحين من الأراضي وتشريد العمال الزراعيين بها.
لقد تمت العملية بمنطق شيطانى وماكر، حيث ارتكز نقل الملكية للأراضي على كراء طويل الأمد بنية تمليكها بشكل نهائي . وهنا أين تلعب السياسة ألاعيبها المجنونة، حيث أنه عوض أن تعود الأرض لأصحابها الفلاحين الذين ناضلوا للحصول على الاستقلال، قامت الدولة بتوزيعها على زبانيتها وخدامها، في الإدارة والجيش والأحزاب.
يجب التذكير بأن عملية تصفية شركتي صوديا وصوجيطا، تمت على ثلاثة مراحل، سميت بالأشطر، تم تفويت وتوزيع شطرين بالطريقة حسب ما سبق، أما الشطر الثالث فقد بثت فيه عن طريق لجنة تقنية عهد إليها بدراسة العروض المقدمة، مع الإشارة بأن المعلومات المتسربة تقول بأن العملية تهم 20 ألف هكتار استفاد منها بعض الانتهازيين مغاربة وأجانب.
وحسب كل المعطيات والمعلومات التي تداولتها الصحافة في هذا الشأن، عرف الشطر الثالث من عملية التفويت التلاعبات ذاتها، التي سجلت في الشطرين الأول والثاني من خلال استفادة شخصيات نافذة سياسية وأخرى لها موقع قوي داخل الدولة فضلا عن مستثمرين أجانب.
وحسب ذات المصادر فإنها تشير "إلى أن تفويتات أراضي صوديا وصوجيطا بلغت إلى حد الآن حوالي 100 ألف هكتار، فيما كان وزير الفلاحة أكد في وقت سابق أن عملية التفويتات ستبلغ 500 ألف هكتار في مجموعها، بما في ذلك الأراضي الجماعية والسلالية ضمن إطار تفعيل المخطط الأخضر، وهو ما شرعت فيه فعلا وزارة الداخلية في حوالي 11 جهة، إذ شرعت مصالحها المحلية في «انتزاع» موافقة الجماعات السلالية لتعبئة أراضي الجموع في انتظار عرضها على مستثمرين من خلال كرائها لمدد تتراوح ما بين 45 و99 سنة، إلا أن هذه العملية لن تخل، حسب المصادر ذاتها، من صعوبات لأن غالبية الأراضي تتخللها مشاكل عديدة، بالنظر إلى خصوصياتها التاريخية، كما أن فلاحي هذه المناطق يرفضون أن يحولهم المخطط الأخضر إلى يد عاملة رخيصة ضمن منظومة علاقة  السيد بالعبد.
وكان مسؤول نقابي تابع للجامعة الوطنية للفلاحة قد صرح لـجريدة «الصباح» أن ثمن كراء ضيعات صوديا وصوجيطا وباقي أراضي الدولة لا يتعدى 1000 درهم سنويا في منطقة الغرب الغنية بمواردها الفلاحية والمعروفة بخصوبة أراضيها، فيما لا تتعدى سومة الكراء 800 درهم في مناطق أخرى، علما، يضيف المتحدث نفسه، أن كبار الملاكين هم أكبر المستفيدين من هذه الصفقات المسيلة للعاب، رغم أن أغلبهم لا علاقة له بالقطاع.
ويرى المصدر ذاته، حسب جريدة الصباح، أن 50 في المائة من أجود الأراضي في الشطرين الأولين للتفويتات، استفاد منها أصحاب « الشكاير» الذين لم يزاولوا مهنة الفلاحة قط، بينما لم تتعد نسبة المهنيين المغاربة 25 في المائة، و14 في المائة مستثمرون أجانب، أما 10 في المائة من الأراضي فاستفاد منها زعماء أحزاب سياسية بطرق ملتوية."
وكانت الهيأة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب كشفت في أحد تقاريرها أسماء شخصيات وازنة تنتمي إلى عدة هيآت سياسية استفادت من أراضي الدولة البالغة 5250 هكتارا، خارج الصفقات العمومية، بمختلف الجهات وهمت أساسا أراضي صوديا وصوجيطا.
وذكر التقرير أن شركتي صوديا وصوجيطا اللتين كلفتا بتسيير واستغلال جزء من الضيعات المسترجعة من المعمرين، كانت لهما في البداية 305 آلاف هكتار، ولم يعد لهما سوى 124 ألفا من المساحة الأصلية، يتم استغلال 99 ألف هكتار منها فقط، في حين تم تفويت الباقي، إما في إطار ما سمي بعملية الإصلاح الزراعي، بحيث تم كرائها بأثمنة رمزية لمدة 99 سنة، وهناك أراض أخرى تم الاستيلاء عليها من طرف بعض النافذين وأخرى منحت لبعض المستفيدين.


Comentarios