التسيب الذي لم يعد متحكما فيه بقلم: المختار الغربي


 قبل أقل من سنتين، صدر تقرير خطير وصادم عن المجلس الأعلى للحسابات
 حول المؤسسات والمقاولات العمومية، وهو مؤسسة رسمية يعين رئيسها بظهير ملكي.
التقرير يكشف عن أن 200 مؤسسة ومقاولة عمومية تعيش تسيبا وفوضى واختلالات عميقة كلفتها مليارات من الدولارات وليس الدراهم؟ وفيه يعري المجلس عن أسباب لا يمكن أن تقبل في دولة منظمة وتحترم قوانينها.
الخلاصة التي وصل إليها واكتشفها قضاة المجلس الأعلى، الذين لا أحد يفهم عدم متابعتهم لمثل هذه الملفات الخطيرة من الناحية القانونية،   حول تلك المؤسسات والمقاولات العمومية، التي ترضع من ضرع المال العام، تتلخص في عناوين كبيرة وغليظة هى تجسيد لأكبر فوضى وتسيب، بل هى واحدة من أسباب الانهيار والتخلف والفساد الإداري، المالي والسياسي:

 
لا رؤية واضحة،
 لا مقاربة مندمجة،
 لا دراسات جدوى تسبق تأسيس هذه المقاولات،
 لا حدود مرسومة لاختصاصاتها،
 لا قيمة مضافة لغالبيتها الساحقة،
 لا أطار قانوني واضح لصلاحياتها وفي علاقتها بالوزارات التابعة لها
 أما التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع الخطير والتي نشرها رسميا المجلس الأعلى للحسابات، فهى في حكم المصيبة والكارثة. هناك أكثر من 200 مؤسسة عمومية تشغل 130.000 مستخدم وتتعامل بأموال ضخمة تصل إلى 200 مليار درهم كرقم معاملات. لكن القاسم المشترك بينها هو أنه ليس لها أى نظام يضمن السيطرة علي تلك المؤسسات والأموال ومسؤوليها المصنفين كموظفين سامين يعيشون وسط هذا الركام من المال العام كأباطرة.
المشكلة هى أن المجلس الأعلى للحسابات، ورغم قساوة وقوة بعض تقاريره فانه لا يتطرف أو يتخد أى اجراء لمواجهة مثل هذه الكوارث. بمعني، يمسك العصا من الوسط، ويراعي في تقاريره اعتبارات سياسية وسيكولوجية، فهو لا يريد أن يصدم الناس بكل الحقائق التي يصل إليها، ويكتفي بوضع يده على بعض الجروح.
لنتابع:
التقارير الإعلامية المبنية على تقرير المجلس الأعلى الذي نحن بصدده تشير إلى:
  "
إن المؤسسات والمقاولات العمومية غارقة في مديونية كبيرة (245 مليار درهم)، أي حوالي 25% من الناتج الداخلي الخام للبلاد، وأن الدولة تخسر سنويا على هذه المؤسسات أكثر من 20 مليار درهم، وأن عائداتها على الخزينة متواضعة جدا، فمثلا من 2010 إلى 2014 أعطت الدولة هذه المقاولات والمؤسسات العمومية 159 مليار درهم، فيما لم تعط هذه المؤسسات والمقاولات العمومية للدولة سوى 53 مليار درهم، وجل هذا المبلغ أتى من أربع مقاولات لا أكثر، وهي المكتب الشريف للفوسفاط، وصندوق الإيداع والتدبير، واتصالات المغرب، والمحافظة العقارية، الباقي لا يعطي الدولة شيئا، ويأكل كل سنة من خزينة المغاربة، وخاصة المقاولات التجارية التي تقوم بالبيع والشراء وأحيانا بشكل احتكاري دون أن تربح 10٪مما يربحه الخواص، وعندما تربح هذه المقاولات شيئا فإنها تعمل بالمثل الدارج الذي يقول: “خيرنا ما يديه غيرنا، حيث إن أرباحها تصرف على الأجور الكبيرة لمديريها، وعلى الامتيازات التي يحيطون أنفسهم بها (جيش مستخدمي هذه المقاولات والمؤسسات العمومية يصل إلى 129 ألفا، وكتلة أجورهم تمتص 45٪من القيمة المضافة، ما يعني أن نسبة كبيرة من الأرباح يستفيد منها المستخدمون".
من تجليات هذه الوضعية السريالية والتراجيدية في آن، هى أن هذه المؤسسات والمقاولات تشتغل "كجزر معزولة عن الحكومة وعن الوزارات التابعة لها، ومنها من خلق من عدم، أي بدون نص قانوني، والتي خلقت بنص قانوني فهو نص معيب وناقص، حيث لا يوفر للوزراء الذين يرأسون المجالس الإدارية لهذه المؤسسات والمقاولات أي دور في التخطيط والمراقبة والتنسيق"
والنتيجة هدر كبير للمال العام كان يمكن أن يذهب لتخفيف آلام ملايين المغاربة، ولبناء مستقبل أفضل مما هو أمامنا الآن.
التقرير لا يشير طبعا إلى الأسباب الحقيقية لهذه الوضعية التي هي في حجم الكارثة والمصيبة، والتي تتلخص في عجزنا عن ترسيم حالة طبيعية من الإشراف والمتابعة والمحاسبة لتلك المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية، البعيدة عن أى مراقبة.    

تحليل دقيق وموضوعي لهذه الحالة المالية المأساوية لن تخرج عن التفكير في:
 -إعادة الهيكلة لهذه المؤسسات
 -إلغاء أغلبها
 -محاسبة مديريها،
-تحديث إطارها القانوني،


Comentarios